• بتاريخ : 8 فبراير 2026 - 13:55
  • الزيارات : 3
  • المعطي ولد المسكين : فلاش إنفو 24 flashinfo

     

    بعد مغادرة أخنوش ومن معه، فتحت السماء ذراعيها على مصراعيها، وكأنها تؤكد ما كان يقوله الناس همسًا وجهارًا: إن الخير حين يُحاصر، لا يضيع، بل ينتظر لحظة الانفراج. نزل المطر مدرارًا، لا كحدث طبيعي عابر، بل كرمز سياسي كثيف الدلالة، كأن الأرض نفسها قررت أن تشهد، وأن ترفع صوتها بعدما أُسكتت طويلاً.

     

    لسنوات، قيل للمغاربة إن الجفاف قدر، وإن الشحّ حتمي، وإن الأزمة عالمية لا يد لأحد فيها. لكن الواقع اليومي كان يقول شيئًا آخر: أبواب أُغلقت بقرارات، أراضٍ جفّت بسياسات، وطيورٌ هاجرت لأن الفضاء لم يعد آمنًا للعيش. لم يكن العطش عطش سماء فقط، بل عطش عدالة وتدبير وحسّ بالمسؤولية.

     

    المطر الذي نزل لم يسقِ الأرض وحدها، بل غسل الذاكرة الجماعية من خطاب التبرير والتهرّب. ذكّر الناس بأن الثروة حين تُحتكر، والخير حين يُدار بمنطق الربح الضيق، تتحول السياسة إلى سدّ يمنع الجريان الطبيعي للأرزاق. قالت السماء، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة: بسببكم سُدّت الأبواب، وجفّت الأرض، ومات الطير .

     

    ليس في الأمر دعوة للخرافة، ولا استدعاء للغيب لتصفية حسابات سياسية، بل قراءة رمزية لواقع ملموس. حين يغيب التخطيط، وتُقدّم المصالح الخاصة على الصالح العام، يصبح كل موسم مطر استثناء، وكل قطرة نعمة مؤجلة. وحين تتغيّر الوجوه، أو تهتزّ موازين السلطة، تتنفس الأرض، لا لأنها تعرف الأشخاص، بل لأن السياسات تتبدّل أو تُربك.

     

    ما حدث ليس انتصارًا للطبيعة على السياسة، بل فضحٌ لها. فضح لمنطق حكم ظنّ أن التحكم في الاقتصاد يكفي للتحكم في مصير الناس، وأن الأرقام تُغني عن الإحساس، وأن الصمت الشعبي قبول. لكن المطر، حين ينزل، لا يعترف بالبلاغات، ولا يحترم لغة الخشب.

     

    اليوم، المغاربة لا يطلبون معجزة، ولا ينتظرون رسالة من السماء، بل يريدون سياسة تفتح الأبواب بدل أن تسدّها، وتحرر الأرض بدل أن تُنهكها، وتحمي الطير بدل أن تتركه يموت صامتًا. يريدون حُكمًا إذا حضر، حضرت معه أسباب الخير، وإذا غادر، لا يترك وراءه أرضًا يابسة وسماءً غاضبة.