• بتاريخ : 6 فبراير 2026 - 00:24
  • الزيارات : 4
  • حين يتحوّل البث المباشر إلى محكمة ابتزاز: من يحمي المغاربة من فوضى الفضاء الازرق

    بقلم: المعطي ولدالمسكين.

    لم يعد البث المباشر على منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير أو تبادل الآراء، بل تحوّل في حالات عديدة إلى محكمة موازية تُصدر الأحكام قبل التحقيق، وتُدين قبل الاستماع، وتُلوّح بالفضيحة بدل الاحتكام إلى القانون. وفي قلب هذا الجدل يبرز برنامج تحفة على المباشر كنموذج صارخ لما بات يُوصف اليوم بفوضى التأثير الرقمي، حيث تختلط حرية التعبير بشبهات الابتزاز، وتُقدَّم الاتهامات في بث مفتوح دون سند قضائي أو أحكام نهائية.

    الخطير في هذا النوع من المحتوى ليس فقط ما يُقال، بل الكيفية التي يُقال بها. فالتلميح المستمر، والتهديد غير المباشر بنشر معطيات أخطر ، واستدعاء الأسماء والوقائع الشخصية أمام آلاف المتابعين، كلها عناصر تطرح شبهة تحويل البث المباشر إلى أداة ضغط نفسي ومعنوي. ومع تكرار هذا الأسلوب، يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف هو تنوير الرأي العام أم دفع الأطراف المعنية إلى الصمت أو المساومة؟

    وتشير معطيات متداولة ضمن شكايات رائجة إلى أن بعض حلقات البث استُعملت لتصفية حسابات شخصية، أو لعرض روايات أحادية الجانب، أو للتشكيك في ذمم أشخاص دون تمكينهم من حق الرد في إطار قانوني متكافئ. كما أُثيرت شبهات تتعلق بجمع أموال أو طلب دعم بدعوى متابعة الملفات أو نصرة الضحايا ، دون وجود إطار قانوني واضح، وهو ما يفتح الباب أمام توصيفات قانونية خطيرة قد تصل إلى النصب والاحتيال متى ثبت استغلال ثقة الجمهور لتحقيق منفعة.

    وفي خضم هذا الضجيج الرقمي، ظهرت شكايات متبادلة بين أطراف متعددة، تتراوح بين التشهير والابتزاز ونشر أخبار زائفة. غير أن ما يغيب عن المتابعين هو أن الحقيقة لا تُحسم بعدد المشاهدات ولا بقوة الصوت، بل بالدلائل التقنية، وتتبع المسارات الرقمية والمالية، والاستماع إلى جميع الأطراف في إطار المساطر القانونية المعمول بها. فالقضاء لا يشتغل بالانطباعات ولا بالبث المباشر، بل بالقرائن والإثبات.

    هنا يبرز الدور المحوري للنيابة العامة بصفتها الضامن الدستوري لتطبيق القانون وحماية المجتمع من الانفلات الرقمي. فالرهان اليوم ليس إسكات الأصوات، بل وضع حد لتحويل حرية التعبير إلى وسيلة ابتزاز، ولجعل المنصات الرقمية مجالًا مسؤولًا لا ساحة لتدمير السمعة أو المتاجرة في المعاناة. فتح الأبحاث، حجز الأدلة الرقمية، تتبع جرائم التشهير والابتزاز والاحتيال، كلها أدوات قانونية كفيلة بإعادة التوازن بين الحق في التعبير وواجب احترام القانون.

    هنتك قضايا ، تتجاوز شخصًا أو برنامجًا بعينه، لتكشف عن حاجة ملحّة إلى مساءلة جماعية لواقع التأثير الرقمي في المغرب. فإما أن نؤسس لفضاء حر ومسؤول تحكمه أخلاقيات المهنة والقانون، أو نترك الباب مفتوحًا أمام محاكم افتراضية لا رقيب عليها. وفي جميع الأحوال، يبقى الفيصل الأخير هو القضاء، لا البث المباشر… وما بعد حكمه، لا قبله.

    المعطي ولدالمسكين .