الاشتراكيون في مدريد بين التزامات الدولة والحسابات السياسية

  • بتاريخ : 14 فبراير 2026 - 10:55
  • الزيارات : 5
  • الاشتراكيون في مدريد بين التزامات الدولة وحسابات السياسة: لقاء البوليساريو يثير أسئلة التوقيت والتداعيات.

    بقلم: مريم مستور
    المراسلة الدولية باسبانيا

    في خطوة أثارت جدلاً سياسياً، استقبلت الفيدرالية المدريدية لـ PSOE ممثلاً عن Frente Polisario، في تحرك اعتبره متابعون خروجاً عن الخط الدبلوماسي الذي رسمته الحكومة المركزية منذ التحول التاريخي في موقف إسبانيا من ملف الصحراء عام 2022.
    اللقاء، الذي جمع الناطقة باسم الاشتراكيين في برلمان مدريد Mar Espinar بالمندوب الصحراوي في الإقليم Jalil Mohamed، يأتي في سياق سياسي حساس، خاصة وأن مدريد والرباط وقعتا خارطة طريق واضحة عقب رسالة رئيس الحكومة الإسبانية إلى العاهل المغربي، والتي أكدت دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس جدي وذي مصداقية للحل، وشددت على مبدأ الامتناع عن أي خطوات أحادية قد تُفهم كإخلال بروح الشراكة أو إزعاج للطرف الآخر.
    هذا الالتزام شكل حجر الزاوية في سياسة وزير الخارجية José Manuel Albares، الذي دافع باستمرار عن نهج التقارب مع الرباط داخل الاتحاد الأوروبي، وحرص على تثبيت مناخ الثقة المتبادل بين البلدين، بعد أزمة دبلوماسية كادت تعصف بالعلاقات الثنائية.
    بين الالتزام الدبلوماسي وحسابات الداخل
    يثير هذا اللقاء تساؤلات حول مدى انسجام المواقف داخل الحزب الاشتراكي نفسه: فبينما تؤكد الحكومة المركزية التزامها الصارم بخارطة الطريق مع المغرب، يبعث جناح جهوي من الحزب برسائل سياسية قد تُقرأ في الرباط كإشارة غير مريحة، خصوصاً أن الحزب ذاته كان قد تجنب سابقاً أي لقاءات علنية مع ممثلي البوليساريو احتراماً للتفاهمات الثنائية.
    السؤال الجوهري هنا: كيف يُسمح لحزب يقود الحكومة، وملتزم باتفاق استراتيجي مع دولة جارة، بالانخراط في مبادرات قد تُفسر كاعتراف سياسي أو دعم لطرف يناقض الرؤية الرسمية التي تبنتها مدريد قبل ثلاث سنوات؟
    فهل تتأثر العلاقات الثنائية؟
    العلاقات المغربية الإسبانية لم تعد علاقات تقليدية، بل أصبحت شراكة استراتيجية تشمل ملفات حساسة كالهجرة، الأمن، محاربة الإرهاب، التعاون الاقتصادي، والطاقات المتجددة.
    وأي توتر سياسي—even لو كان رمزياً—قد يُستغل من قبل أطراف داخلية أو خارجية لإعادة تأزيم الأجواء.
    غير أن القراءة الواقعية تشير إلى أن القرار الصادر عن فرع جهوي لا يعادل تغييراً في موقف الدولة الإسبانية الرسمي.
    فالدبلوماسية تُصاغ في القصر الملكي بمدريد ووزارة الخارجية، لا في برلمان إقليمي.
    ومع ذلك، تبقى الرمزية السياسية مؤثرة في العلاقات الدولية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية كالصحراء.

    الجالية المغربية في إسبانيا، وهي من أكبر الجاليات الأجنبية وأكثرها اندماجاً، تتابع هذه التطورات بقلق مشروع. فاستقرار العلاقات بين الرباط ومدريد ينعكس مباشرة على أوضاعها الإدارية، القنصلية، وفرصها الاقتصادية.
    ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسبانيا، قد يتحول ملف الصحراء إلى ورقة للمزايدات السياسية بين الأحزاب، ما قد يضع الجالية في قلب تجاذبات لا تخدم مصالحها اليومية. لذلك، يبقى الرهان على تحييد القضايا الاستراتيجية عن الحملات الانتخابية، حفاظاً على مناخ الثقة الذي بُني بصعوبة خلال السنوات الأخيرة.

    اللقاء المدريدي مع ممثل البوليساريو يطرح أكثر من علامة استفهام حول انسجام الخطاب السياسي داخل الحزب الاشتراكي، لكنه لا يعني بالضرورة تراجعاً رسمياً عن الاتفاق المغربي الإسباني. غير أن حساسية المرحلة—داخلياً وخارجياً—تفرض قدراً أكبر من الانضباط السياسي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات تمس توازنات إقليمية ومصالح جاليات واسعة.
    وفي زمن الانتخابات، قد تُقرأ الإشارات الصغيرة بأحجام أكبر مما تبدو عليه في الواقع.
    10/02/2026.