“سيدي امحمد البهلول”.. موسم يهز سكون البهالة ويوقظ ترابها من سباته
محمد فتاح : فلاش انفو 24 flachinfo

عند مدخل منطقة “البهالة” بإقليم سطات ، تستقبلك قباب شامخة كحراس لذاكرةٍ لا يطالها النسيان ؛ قباب بيضاء تتداخل ألوانها النابضة بالحياة، لتقول للزائر بصمت مهيب : هنا لست في قرية عابرة ، بل أنت تعبر فضاءً مشبعاً بالتاريخ والرمزية.
تحت تلك القباب ، يرقد الولي الصالح “سيدي امحمد البهلول”، دفين منطقة البهالة. لسنوات طويلة ، ظل موسمه مناسبة دينية خالصة تُشدّ إليها الرحال طلباً للبركة وصلة الرحم ، ومع مرور الزمن ، اتسعت دائرة هذا الموعد السنوي ، فارتدى المهرجان حُلة تراثية وفولكلورية ساحرة ، تعيد للمنطقة نبضها الخاص كلما حلّ فصل الصيف.

يفرض الضريح حضوره البصري الأخاذ ؛ جدران دافئة بلون الآجور والطين المتناغم مع التربة المحلية ، وصومعة مربعة تقليدية تتوسط المشهد ، بينما ترفرف الأعلام الوطنية الحمراء فوق الأسوار البيضاء المنخفضة ، مسبغة على المكان هيبته وخصوصيته التراثية. وقبيل انطلاق الفعاليات بأيام، تتحول الحقول المجاورة إلى فضاءات حية مكتظة بالخيام التي تتحول فجأة إلى مقاهٍ ومطاعم مؤقتة ، في حين تنشغل “السربات” في تهيئة خيولها وصقل عُدتها ، استعداداً لفرجة فنية لا تشبه سواها.

وعند لحظة الانطلاق ، ينبض المكان كله على إيقاع مختلف تماماً ؛ فالإعلاميون والعدسات في سباق محموم لتوثيق تفاصيل الحدث ، والزغاريد ترتفع من كل جانب لتتلاقى مع صهيل الخيل ونداءات الفرسان الحماسية. تنطلق الجياد كالسهم في خط مستقيم متناسق ، مخلفة وراءها غباراً كثيفاً يملأ الأفق بحركية مبهرة ، وفي ذروة المشهد ، تُدوّي طلقات البارود في طلقة موحدة تهز الأرض ، وتعلن لحظة التتويج الرمزي لفرجة شعبية طال انتظارها من طرف آلاف الحاضرين المصطفين خلف السياج.

ولا يغيب الجانب الاجتماعي والإنساني عن هذا المحفل ؛ إذ يمثل الموسم فرصة متجددة للقاءات دافئة بين الأهل والأحبة وصلة رحم تتجدد بين القبائل ، بينما يكتشف الأطفال لأول مرة بهجة الفلكلور المغربي الأصيل. تنتعش الأسواق التقليدية ، وتعم البهجة أرجاء المكان ، وكأن “البهالة” تستيقظ من هدوئها الطويل لتعيش أياماً استثنائية من الفرح الجماعي.
لكن ما إن تُطوى الخيام ويخفت صهيل الخيل ، حتى يعود السكون ليخيّم على المنطقة ، تاركاً وراءه ذكريات حية تختزنها الذاكرة الجماعية للساكنة والزوار. هكذا تظل “البهالة” معلّقة بسحر خاص ؛ بين ماضٍ عريق تحرسه القباب الصامدة ، وحاضرٍ نابض تصوغه حوافر الخيل وصوت البارود كل صيف ، ليبقى هذا الموسم شاهداً حياً على تواصل الإنسان مع تراثه وأرضه ، وعنواناً لفرجة شعبية أصيلة تتوارثها الأجيال.





إرسال تعليق